ست العجم بنت النفيس البغدادية

70

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

في عالم الباطن كلي من أجل أن الظاهر متجزئ والباطن متحد ، فمن كمل وشهد هذا الشهود الكلي ، كان قادرا على الخلع بحكم مشيئته ، وصورة هذا الخلع هو إلقاء الجسد الظاهر بغير تألم في حالة بين الموت والحياة لا بين النوم واليقظة ، فأما خصوصه بالحالة المذكورة أولا وهي حالة ما بين الموت والحياة لأنه لا معنى للشهود الكشفي إلا الاطلاع على ما أخفي ، ويصطحب ذلك الاطلاع عموم الشهود ، ولا معنى لخلع البدن إلا إلقاء الجسد بالقدرة على مفارقة الحياة المعهودة ، فمن اتصف بهذه الصفات لا ردّ عليه إذا قال : قد أعطيت سر الحياة بشرط وضعها في محلها ، وبيان كيفيتها وكمية كونها ، وتكون في حال الشهود مرآة القلب صقيلة يكاد يلحظ فيها الاتحاد الخافي ، ولعلها شدة صقالها تميز بين متحدين ، اللذيّن قد أطلق عليهما الواحدية وبلطفها الشفاف يرى الأشياء وظلها ، إذ الباطنون أظلال الظاهرين ، والمرآة واحدة ويرى في هذا الشهود بثلاثة أوجه ، فتميز عالم الظاهر بوجه لائق بالظهور ، وتميز عالم الباطن بوجه لائق بالبطون الظلي ، ويرى عالم الخفاء بوجه لائق بالمثال ، وخصوصها بثلاثة أوجه ، لأن الغاية في الكمال الاعتلاء على ثلاث مراتب ، ويطلق على الثالث لفظ الحق لأننا إذا قلنا : لفظ الوجود واحد ، فيجب أن يكون كل شيء حقا خصوصا هذه الثلاثة مراتب ، لأنها غاية التحقيق ، والوجود حقيقة فانية في حقيقة اللّه تعالى ، ومتى فني الوجود ظهر اللّه تعالى بحقيقته ، والحقيقة اسم مختص بهويته ، وهذا لا يكون إلا في حال فناء الصفات . فإن قيل : كيف يشهد الفاني ولا حقيقة ؟ قلنا : إن الفناء ليس عدما مطلقا ، وإنما هو عدم نسبي ، فإذا حصل هذا الشهود للشاهد كانت الصفات بلفظ الفناء قد استوفتها حقيقة الهوية « 1 » ، فيلحظ الشاهد بفنائه النسبي ، ويدرك بحقيقته الثابتة اللائقة بالإدراك ، لأن الهوية من حيث هي تستهلك الحقائق وتبقى حقيقتها الواحدة اللائقة بها وقد قال رحمة اللّه عليه في رسالة هذا الكتاب : ( إن الحق صفة من صفات اللّه تعالى ) فلا يظن السامع أن هذا الكلام محمول على ظاهره ، وإنما قصد بهذا القول المغالطة لتورية ما ، وموجب ذلك إما إرادة خوف ، وإما إرادة إغماض .

--> ( 1 ) الهوية : الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق ، ولحوق الواو من الحروف الدورية بهو ، دليل دور الهوية في تجليها أزلا ، وأبدا ، من نفسها على نفسها ، فإن الغيب المطلق من حيث هو غيب لا ينتهي إلى حد ينقلب فيه شهادة قطعا .